الواقع الفلسطيني من سيء لأسوء ولا مجال للتدليس والنفاق السياسي

بقلم الكاتب // محمد محمد علي

المتتبع للتاريخ الفلسطيني يعرف جيدا أننا ننتقل من واقع سيء الى آخر أسوء منه ، ويا ليث أهل فلسطين يعقلون ، لقد  كنا دائما مفعول به في عرف السياسة ، وحتى وان كنا في أحسن الأحوال ولكن للأسف النهاية دائما سيئة ، لقد فرض واقع غاشم علينا منذ الانتداب البريطاني الى حتى الآن ونحن خاضعون لمآكنة الاستعمار والاحتلال العالمية والصهيونية التي أبت أن تنتهي بانتهاء الاحتلال الانجليزي لفلسطين وسلمت فلسطين لاحتلال جديد وهذه المرة باسم جديد ” الاحتلال الصهيوني ”  ليكون خنجر جديد في ظهر فلسطين والأمة العربية بعد أن تم تفتيتها وتقسيمها الى دول ودويلات وإمارات وممالك متباينة الفكر والأيدلوجية والتوجهات والأنظمة السياسية .
وبالعودة الى الواقع الفلسطيني نرى أن الاحتلال لم يكتفي باحتلال فلسطين وسلب حقوق شعبها ، وأراد أن يعيد تجربته في التقسيم والتفتيت تحقيقا للنظرية الصائبة في عرف السياسة ” فرق تسد ” .

فبالإضافة الى مبدأ الاحتلال في التقسيم تسير السياسة الاسرائيلية باتجاه عدم الاعلان عن حدود واضحة لدولتها المزعومة وتعمل جاهدة الى كسب مزيد من الأراضي العربية سواء في فلسطين أو في الدول العربية المجاورة ، وهذا ما رأيناه واضحا بعد احتلال ٧٨% من مجمل الأراضي الفلسطينية عام ١٩٤٨ ، ولم يكتفي الاحتلال الصهيوني بهذا القدر من البطش والقهر والظلم خصوصا بعد تهجير ما يقرب من ٧٥٠ ألف فلسطيني من أراضيهم الى باقي الضفة الغربية وقطاع غزة والدول المجاورة لفلسطين ، فقام في عام ١٩٦٧ باحتلال باقي الأراضي الفلسطينية لتصبح بعدها فلسطين بالكامل تحت الاحتلال كما واحتلت كل من الجنوب اللبناني وهضبة الجولان وجزء من الأردن والصدمة الكبرى كانت باحتلال شبه جزيرة سيناء من مصر .

حيث شكل العام ١٩٦٧ منعطفا خطير على صعيد القضية الفلسطينية ، فبعد أن كان الفلسطينيون يطالبون بعودتهم الى ديارهم التي هجروا منها عام ١٩٤٨ والمطالبة بفلسطين كل فلسطين وبعدما كانت ٢٢% من أراضي فلسطين بأيديهم وكانت مدينة القدس بمقدساتها بحوزتهم بالرغم من الوصاية العربية عليها ، أصبحوا شعب بلا أرض وأرضا بلا سيادة .

وهنا بدأت عنجهية جديدة وسياسة جديدة لدى المحتل في ترويض الفلسطينين ومساومتهم على حقوقهم ، فبعد أن تم احتلال كامل فلسطين وأصبح الفلسطيني مجرد لاجئ في وطنه وفي مختلف بلدان العالم ومسلوب من كل حقوقه الانسانية وبعد تخلي القريب والبعيد عنه لم يجد الفلسطيني سوى الخيار المسلح لاستنهاض القضية الفلسطينية واجبار المحتل والعالم على سماع صوت الفلسطيني والانصات الى حقوقه ، ففي فترة الستينيات انطلقت شرارة الثورة الفلسطينية وبدأت العمليات الفلسطينية العسكرية ضد القوات الاسرائيلية ودخلت الثورة الفلسطينية في صولات وجولات مع الاحتلال الاسرائيلي وبحكم المتغيرات السياسية والميدانية تنقلت الثورة الفلسطينية ما بين الأردن وسوريا وصولا الى لبنان وبقيت على التماس مع الاحتلال الصهيوني وتقارعه وتوجعه من حين الى آخر ، الى أن أرغمت أخيرا الى مغادرة لبنان الى تونس وهنا بدأ القضية الفلسطينية فصلا جديدا ومعقدا للغاية .

وفي هذه الفترة بالتحديد وقع الفلسطينيين في فخ سياسة الأمر الواقع وانسداد الأفق وانعدام الأمل لاسيما أنهم في وضع لا يحسدون عليه ، فكفة اسرائيل في هذه الفترة هي الكفة الراجحة في موازين القوة والسياسة فهي تحتل كامل التراب الفلسطيني وتمكنت من اخضاع الفلسطينيين في الداخل الى سياستها الاحتلالية بقوة الحديد والنار وفي ظل البطش الصهيوني لم يبقى للفلسطيني في الداخل أي خيار سوى تقبل الواقع والبقاء على الأرض ، وأما الفلسطينيون في الخارج أصبحوا كالطير مكسور الجناح الذي لا حول له ولا قوة بعدما كانت قوته الضاربة هي قوات منظمة التحرير تصول وتجول حول الحدود الفلسطينية الى أن أجبرت على التواجد في تونس ولا خيارات أمامها .

فبعدما كان شعار منظمة التحرير الماضي
( لا صلح لا اعتراف لا تفاوض )
أجبرت اسرائيل والقوى الاستعمارية الداعمة لها الفلسطينيين على دخول نفق المفاوضات وكسبت اسرائيل اعتراف الفلسطينيين أنفسهم بحقها في الوجود وبكيانها المزعوم بعدما حصلت عليه من بعض الدول العربية و الأمم المتحدة بدعم الدول الاستعمارية ، على أمل أن يحصل الفلسطينيين على حكم ذاتي في فلسطين على حدود ١٩٦٧ واقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ومن أجل هذا الأمل دخل الفلسطينيون في مرحلة المفاوضات ، ظهرت على أرض الواقع بتوقيع اتفاق أوسلو عام ١٩٩٣ والذي أدى الى إقامة سلطة حكم ذاتية انتقالية فلسطينية ( السلطة الوطنية الفلسطينية) ، وانتخاب مجلس تشريعي ، في الضفة الغربية وقطاع غزة، لفترة انتقالية لا تزيد عن خمس سنوات، يتم خلالها مفاوضات بين الجانبين، بهدف التوصل لتسوية دائمة على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338. ونصت الاتفاقية أيضًا، على أن هذه المفاوضات سيتم خلالها حل كافة القضايا العالقة بما فيها القدس، اللاجئون، المستوطنات، الترتيبات الأمنية، الحدود .

فبعد سنوات من قيام السلطة وبعدما تنصل الاحتلال الصهيوني من كافة الاتفاقيات والبنود تم الاتفاق عليها مع الجانب الفلسطيني وانسداد الأفق في مسار الإنتخابات يأبى الإحتلال أن يفارق سياسته في فرض الأمر الواقع ونقض العهود السابقة ، ووقع الفلسطينيين مجددا في فخ الفرقة والتشتيت بعد أحداث الإنقسام بين أكبر فصيلين فلسطينيين وهم حركتا فتح وحماس وهذا كله نتيجة صراع الصلاحيات في الحكم في ظل أن حماس تمثل الحكومة وصاحبة أغلبية مقاعد المجلس التشريعي وحركة فتح تمثل الرئاسة ، ونتيجة تضارب وتباين نهج الحركتين ” مشروع المفاوضات والمسار السياسي لحل القضية ومشروع الكفاح المسلح والمقاومة ” واختلاف الأيدلوجية الفكرية لكل من التييارين ، وكان للإحتلال الصهيوني الدور الأكبر في استغلال هذه الحالة و دعم بث الفتنة والفرقة بين فتح وحماس عبر أدواته المختلفة في الداخل والخارج ، واستغل الاحتلال الصهيوني هذا الواقع الفلسطيني المتردي خير استغلال من خلال تحييد قطاع غزة عن القضية الفلسطينية من خلال فرض حصاره خانق على أهله والتحكم بمداخل ومخارج القطاع وتحويل قضية ساكنيه كونهم أبناء وجزء أصيل من القضية الفلسطينية المركزية الى أبناء قضية جديدة وهي قضية غزة الانسانية التى لا تصلح للحياة الطبيعية بكل المقاييس .

وعلى صعيد الضفة الغربية زادت شراسة الاحتلال في ابتلاع مساحات هائلة من أراضي الضفة الغربية وبناء مزيد من المستوطنات والوحدات الاستيطانية فيها بدون أي مقاومة فعلية على الأرض لأن رأس الهرم في السلطة لا يؤمن بالكفاح المسلح ولا المقاومة كما يقولها علنا على مختلف المنصات الاعلامية ولا يراهن إلا على خيار المفاوضات .

كل هذه المعطيات السابقة شكلت دافع لدى قيادة الاحتلال الى تتويج انتكاسات الفلسطينيين  ليفعل بفلسطين وشعبها ما يشاء ويفرض عليهم ما يشاء وكيفما يشاء انطلاقا من ادعائه أن الفلسطينيين منقسمين على أنفسهم وغير متفقين على حل بينهم فكيف لنا كجانب اسرائيلي أن نتفق معهم وهم مختلفون مع من نتفق مع حماس التي تحكم غزة بقوة الأمر الواقع أم مع السلطة التى وهنت وشاخت واستشرى الفساد في كافة مفاصلها ، وتتويجا لواقع الاستفراد الصهيوني بفلسطين وبشعبها وفي ظل حالة العجز والهوان العربي والفلسطيني يسعى الاحتلال اليوم الى فرض ما يسمى صفقة القرن بدعم من الحليف الأمريكي بزعامة ترامب والتي تهدف الى حل القضية الفلسطينية على أساس اقتصادي وليس على أساس حل عادل للدولتين كما أقرته كل قرارات الشرعية الدولية من خلال الأمم المتحدة ومؤسساتها ، والحديث في هذه الصفقة عن دولة فلسطينية منزوعة السلاح معدومة السيادة بدون القدس وبلا أي حق أو اعتراف باللاجئين وباستئصال معظم أراضي الضفة الغربية وضمها للسيادة الإسرائيلية ، واعتبرت اسرائيل أن هذه الصفقة ستكون بوابة لأي مفاوضات قادمة وهذا ما يرفضه الكل الفلسطيني دون أي خوض في تفاصيل الصفقة .

وبهذه الاشتراطات الصهيونية ومع الاعلان رسميا عن صفقة القرن ينتهي خيار المفاوضات كما انتهى قبلها خيار الكفاح المسلح وتكون اسرائيل وصلت الى مبتغاها في ترويض الفلسطينيين واسقاطهم في الفخ المحكم ، وبهذا الواقع الخطير لم يتبقى للفلسطينيين أي خيارات سوى الوحدة الوطنية وانتخاب قيادة سياسية جديدة عبر اجراء الانتخابات الفلسطينية الشاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة والانطلاق الى هيئة الأمم المتحدة لايجاد حل عادل للقضية الفلسطينية وفق مقررات الشرعية الدولة ودفع كل الدولة العربية والاسلامية والدول الصديقة الى تبنى هذا الخيار ، وتفعيل خيار المقاومة الشعبية بكل أشكالها وأنواعها حينها يكون هناك أمل ومعطيات سليمة لحل القضية الفلسطينية ، والإ سيأتي اليوم الذي نتمنى فيه كفلسطينيين تحقيق جزء صغير من صفقة القرن ولن نتمكن من الحصول على هذا الجزء حتى اذا استمرت هذه الحالة الوطنية الفلسطينية المتردية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: